بقلم / عمر محمد ورسمة: العودة إلى الوطن لم تكن كسابقاتها في هذا السفر, فقد كان
يئن في ذهني هذه المرة صراخ الأمهات والأطفال المشردين الذي نسمعه بين الحين
والآخر صدى ما تفلت من قبضة التعتيم
الإعلامي الذي فرض على الوطن الجريح.
وعند انطلاقتي
الأولى من مطار جيبوتي متجها نحو مقديشو كنت أستحضر في ذهني ما فعله الاستعمار
بالجسد الصومالي حين قطّع أشلاءه إلى خمسة أجزاء , بل بلغ به الكرم المشؤوم أن
يوزع بعض تلك الأجزاء على الجارتين المنهومتين كينيا وإيثوبيا, وكنت أربط تلك
الذكريات المرة بخيوط من الأسى والحرقة بما يجري اليوم في الوطن المكلوم من قتل
وتشريد ونهب وتجويع .
إلى
مقديشو المدينة الحزينة أخذت بنا الطائرة فكانت هرجيسا محطتها الأولى, حيث مكثنا
فيها نصف ساعة تمكنت فيها من الهبوط إلى الأرض واستنشاق عبير هواها الجميل ومناخها
الممتع. وبعد انقضاء نصف ساعة, وكانت في تمام( 11 صباحا) انطلقت الطائرة نحو
مقديشو, يا ترى ماذا سيحدث بعد ذلك؟, هواجس خوف كثيرة تترد في أذهان المسافرين
سيما المغتربين من أمثالي.
وبعد انقضاء
فترة الطيران المحددة بساعتين ونصف, هبطت الطائرة في مطار مقديشو( مطار آدم عبد
الله عثمان حاليا) , وقبل الانطلاق إلى التفتيش كان أحد المسافرين الذي تعرفت عليه
أثناء الرحلة يشير إلى اليمين نحو جثمان طائرة مخربة , ويقول بصوت منخفض: هذه هي الطائرة الأوغندية التي احترفت بقذائف
الهاون التي أطلقتها المقاومة.
وبعد الفراغ من
فترة التفتيش التي لم تتجاوز عشرة دقائق, انطلقت بنا سيارة الأجرة من المطار نحو
حي (مدينة) الهادئ نسبيا,وفي تمام الرابعة عصرا كنت أستمع إلى الإذاعات المحلية
التي كانت تتداول خبر مقتل ثلاثة من مليشيات الحكومة الانتقالية برصاص المقاومة أثناء
نهبهم لركاب سيارات النقل الداخلي, وميدانيا كانت بعض الإذاعات تبث بعض الأصوات
التي سجلتها من شهود عيان .
المرافق ( محمد
عبده) وبعض المقيمين في المنـزل كانوا يباركون على مثل هذه العملية ويذكرون لي أن
عمليات نهب ممتلكات المدنيين تتكرر بشكل يومي من مليشيات الحكومة, خصوصا في سوق
بكارو( أكبر سوق تجاري في الصومال) , وأن المقاومة تتدخل لصالح الدفاع عن الشعب
وممتلكاته.
قضينا تلك الليلة بسلام دون أن نسمع دوي
المدافع التي كان من الطبيعي أن تسمع بشكل مستمر في أحياء متفرقة من العاصمة, وفي
النشرة الصباحية الأولى وكانت في تمام الساعة التاسعة صباحا كنت أسمع إلى انعقاد
اجتماع بين الحكومة الانتقالية واللجنة الدائمة لتجار سوق بكارو, وبصراحة تامة نقل
التجار إلى الحكومة تقريرا جاء فيه " أن مليشياتها تتعمد بشكل يومي إلى نهب ممتلكاتهم
تحت ذريعة البحث عن مطلوبين, أما المقاومة فإنهم يدافعون عنهم , وينقذون ممتلكاتهم,
ويطاردون قطّاع الطرق وعصابات اللصوص في كل مكان لحماية المدنيين وأموالهم" وأجاب المتحدث باسم شرطة الحكومة الانتقالية بأنهم
سيحققون في تلك الأمور.
وفي اليوم
الثاني وليلته أيضا قضينا دون أن نسمع دوي المدافع على الرغم من أن الإذاعات
المحلية, كانت تذكر اشتباكات بين الإيثوبين والمقاومة في أحياء متفرقة, فمدينة
مقديشو أكبر من أن يحيط المقيم فيها بكل أحداثها, فربما تحدث معركة عنيفة يستخدم
فيها شتى الأسلحة الثقيلة, ولا يسمعها سكان بعض الأحياء إلا من النشرات الإذاعية.
مقديشو...... التعتيم الإعلامي... وجرائم السجون التجارية
منذ دخول قوات الاحتلال الإثيوبي إلى الصومال في دسمبر 2006م, عانت الصحافة في الصومال معاناة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد, ففي وجود القوات الإيثوبية لم نعد نسمع صوت (فهدياسين) ولا تقارير عمر محمود, ولا جامع نور , فقد منعت قناة الجزيرة من الصومال كدأب الاحتلال في العراق الشقيق.
أما الصحافة المحلية فحدث ولا حرج , الاغتيالات. الاعتقالات.. القصف, فأغلب الصحفيين المشهورين في الصومال أودعوا في السجن, والبعض الآخر فر بنفسه إلى الدول المجاورة.
وميدانيا تزامن وصولي إلى مقديشو مع الإفراج عن مدير إذاعة ( القرآن الكريم في الصومال IQK ) بعد 54 يوما من السجن مع رفقة كثيرة من الصحفيين , وقد صرّح في مقابلة له مع إذاعة(شبيلي) المحلية أنه قضى مدة السجن مع 640 سجينا من الصحفيين والمدنيين والتجار, فالسجن في الصومال هذه الأيام أصبح مكسبا ماديا مهما, وتجارة رابحة, لمليشيات الحكومة الانتقالية وضباط جيش الاحتلال الإثيوبي, فليس على أهالي السجين إلا أن يتجهوا إلى المعتقل مصطحبين معهم بعض الدولارات, ويتم تسليم المختطف إليهم وإن كان قياديا في المقاومة, أو كان حتى مطالبا في القوائم الأمريكية المشؤومة.
وهذا كله يحدث في مباركة رواد الديمقراطية وحقوق الإنسان-كما يزعمون- فلا حرية إلا فيما يتماشى مع الخطوط العريضة التي يرسمونها, ويتوافق مع هواهم واستراتيجياتهم.
المقاومة الصومالية
شعبية متزايدة ... ولقاء مشترك في المواجهة ... وانعدام لمشروع سياسي فيما بعد المواجهة.
قي الأوساط الشعبية في مقديشو وفي سائر المدن التى زرتها يكثر الحديث عن ثنائية (الاحتلال والمقاومة), وفيما يبدو لي- وقد كانت زيارتي الأخيرة إلى الصومال قبل سنتين ونصف- هناك تطور في التفكير والاهتمامات صنعته الأحداث الصعبة التي توالت على الشعب الصومال في السنتين الأخيرتين, وقبل تلك الفترة كان يكثر الحديث عن مواجهة بين قبيلة فلان وقبلية فلان, وأن قبيلة علان أقوى في المواجهة من القبائل الأخرى, وحسب هذه الخلفية كان يتم التقسيم الاجتماعي للشعب, أما الآن فلم يعد للتفسير القبلي مكان, على خلاف ما يكرره بعض الصوماليين المغتربين في مجالسهم التحليلية حين يفسرون المقاومة تفسيرا قبليا, وهذه من الحقائق التي توصلت إليها من هذه الرحلة, والتي يصورها بعض المتحدثين في الإعلام على غير حقيقتها.
وفي الصومال كما يعتقد المراقبون الوطنيون مناضلون ومقاومون, بل وحائزون على تأييد شعبي مرشح للتطور في الأشهر القادمة, فالصوماليون بفعل الحروب التاريخية بينهم وبين الحبشة يحتفظون في ذكرياتهم خلفيات معادية للإثيوبيين, وهذا ما جعل نسبة كبيرة لا تقل- في تقديري-عن 90% من الشعب يباركون على مواجهة الإثيوبيين, ومقاومتهم حتى إجبارهم بالانسحاب, و تشهد أعداد المنضمين إلى صفوف المقاومة والمعارضة للحكومة الانتقالية تزايدًا ملحوظا بين حين وآخر, فلم تعد المقاومة كما يصوره الإعلام محصورة بالمحاكم الإسلامية أو بالحركات الإسلامية الجهادية, بل انخرط في صفوفها شباب الحارات وروّاد دور السينما والأندية الرياضية, وهناك فيما يلاحظه المراقبون المستقلون عاملان أساسيان ترشحان نسبة المقاومة إلى التزايد المستمر:
1-فشل الحكومة الانتقالية في بسط سيطرتها على الوطن, وإعادة الأمن, وتحريك المؤسسات الحكومية, وإعادة بناء الحرس الوطني, وحلّ مشكلة النهب المستمر الذي تمارسه مليشياتها على ممتلكات المدنيين, وكذلك غياب الإرادة الوطنية المستقلة من مشروع الاحتلال في دوائر التنفيذ فيها.
2-الخلفية الشعبية المعادية للإيثوبين تبعا لتاريخ الصراع بين البلدين الذي دخل فيما يعتقده كثير من الشعب في أسوأ مراحله, فوصول جيوش الحبشة إلى مقديشو- رمز الأمة وحاضرتها- ليس شيئا هينا في ذاكرة الصوماليين, أضف إلى ذلك القصف العشوائي الذي تمارسه قوات الاحتلال في الحارات الشعبية , خصوصا بعد انهزامها في إحدى المواجهات مع المقاومة , أو إلحاقها بخسائر بشرية في هجوم تكتيكي , ويحدث مثل هذه الأوقات أن توزع القذائف على الحارات والأحياء الشعبية شرقا وغربا دون أن تقتصر حتى على الحارة التي حدثت فيها العملية, ويحدث أيضا أن تطلق الرصاص وقذائف ( البازوكا) على ركاب باصات النقل المدني دون أي مبرر غير أنهم يشتركون في الجنسية والعقيدة مع كتائب المقاومة. وهذا كله يؤجج بلا شك ثورة شعبية عظيمة, ويساعد في تنشيط المقاومة, وتوسيع دائرتها والمنضمين إليها.
ولكن ماذا عن المقاومة وهل يُؤمن نجاحهم بمشروع وفاق وطني فيما بعد فترة المواجهة؟!هذا سؤال يتردد كثيرا في أذهان الشعب الصومالي, ويشغل كثيراً بال الأمهات اللاتي شردن من بيوتهن, والأطفال الذين تبددت فرحتهم بدراستهم, ولقائهم مع زملائهم في فصول الدراسة, وفعلا كما ذكرنا هناك تنسيق ولقاء مشترك في مواجهة العدوّ, ولكن طبيعة السيناريوهات التالية لمرحلة المواجهة تبدو غامضة ومجهولة في نفس الوقت, وميدانيا يقسم المشاركون في المقاومة إلى ثلاثة أطراف:
- جماعة الشباب المجاهدين: وهي من الأجنحة العسكرية للمحاكم الإسلامية, وإن كانت مؤخر أعلنت رفضها لسياسة الجناح السياسي من المحاكم الإسلامية المقيم في (أسمرا), بلسان زعيمها(الشيخ مختار روبو أبو منصور)غير أنه أكّد على أنهم إخوة في الإسلام وأصدقاء في مواجهة العدو وإخراجه من الوطن , وأما الشيخ (حسن تركي) , وهو من القياديين في التيار العسكري من المحاكم الإسلامية, فإنه أنكر في مقابلته مع قناة الجزيرة أي تقسيم للمحاكم الإسلامية إلى شيوخ وشباب, وتفاءل بأنهم سيظلون يدا واحدا في وجه العدو .
وبؤرخ لظهور هذه الحركة في مطلع عام 2005م قبل ظهور المحاكم الإسلامية بقليل, في تلك الأيام التي ظهرت في الصومال اغتيالات واسعة للمفكرين والدعاة والعلماء, وكانت الجهة المنفذة لتلك الاغتيالات المخابرات الإيثوبية بتمويل أمريكي, وبمساعدة من زعماء الحرب في مقديشو الذين كانوا يتقربون إلى واشنطن بمشاركتهم في تلك العملية, وكان لنبأ تلك الاغتيالات في صفوف العلماء المشاهير في الصومال هزة كبيرة في الشعور الشعبي العام, وردًّا على تلك الاغتيالات بدأ مئات من الشباب الصوماليين تدريبات واسعة, واستعدادًا كبيرًا للوقوف أمام تلك العصابات التي تعمل لمصالح العدو وتصفي نخبة الأمة ودعاتها المصلحين, فبدأوا اغتيالات سرية للمتهمين بالتجسس لإثيوبيا, أو المشاركين في تصدير العلماء إلى (أدس أبابا) أو إلى المعسكرات الأمريكية في المنطقة, ثم كانت مواجهتهم مع تحالف زعماء الحرب في مقديشو التي انتهت بهزيمتهم, وظهور المحاكم الإسلامية, وبسط سيطرتها على أغلب المناطق الجنوبية والوسطى في فترة وجيزة.
هكذا كانت قصة ظهور حركة الشباب المجاهد بسيطة, وإن كانت اليوم أصبحت رقما صعبا في الساحة الصومالية.
-تحالف إعادة وتحرير الصومال: ويتكون من كبراء القياديين في المحاكم الإسلامية , وعلى رأسهم الشيخ شريف شيخ أحمد, والشيخ حسن طاهر , والدكتور عمر إيمان , وبعض السياسيين المنفصلين عن الحكومة الانتقالية الرافضين للتواجد الإثيوبي في الصومال, وعلى رأسهم رئيس البرلمان السابق(شريف حسن شيخ آدم) و67 عضوا من البرلمان المعارض لسياسة الحكومة الانتقالية. وكذلك بعض المفكرين الصوماليين المقيمين في الغربة.
- مستقلّون: وهم الأشخاص والتجمعات الذين لا ينتمون إلى أي توجه فكري, وإنما ينطلقون من شعور بضرورة المشاركة في الدفاع عن النفس والوطن, ومن هؤلاء كثير من الشباب الذي ينفذون بشكل إنفرادي عمليات تفجيرية تكتيكية ضد أهداف إثيوبية, وفي هذا السياق أتذكر أحد العمّال في مطار مقديشو الذي كان يساعدني في نقل الشنطة إلى التفتيش أثناء المغادرة , وكنا نسمع دوي المدافع في حرب دائر في ضواحي حي (هدن) , وكان يحرّك رأسه يمنة ويسرة كلّما سمع صوت مدفع انفجر, متمتمًا بهذه الكلمات" ليس هناك حلّ سوى أخذ السلاح ...ماذا بقي بعد هذه الإبادة"
وبما أن الشعب الصومالي قد يئس كثيرًا من الحروب فإنه يبدي قلقا شديدا من هذا التشتت في الأفكار الذي يلاحظ في المقاومة, ويربط كل أمنياته بتجاوز هذه الخلافات الجزئية, وإخراج الاحتلال من الوطن, والتواصل إلى وفاق وطني يضع حدا للأزمة الصومالية المعمّرة.
الطريق إلي بيدوا
في تمام العاشرة صباحا من يومي الثالث في مقديشو كنت في موعد مع سفر إلى مدبية (بيدوا) مقر الحكومة الانتقالية, حيث أخذتنا من حي كيلومتر5 سيارة من طراز mark2 في سرعة متوسطة, وما أن ودعنا مقديشو حتى بدأنا نرى حارات جديدة بناها النازحون من مقديشو , وتتكون منازل هذه الحارات الممتدة من العاصمة مقديشو إلى أفجوي 30كيلومترا من مقديشو , من الكراتين, والأخشاب, والطر بالات, وفي ضفاف الطريق كان رهط من النساء والأطفال يمسكون طابورا طويلا لانتظار قطرات المياه التي تباع بأثمان باهظة.
وأغلب تلك الأسر الضائعة في هذه المخيمات تعرضت بيوتها للنهب والتدمير والخراب في ضواحي شارع30, وكل من حي حمر جديد, وسوق المواشي, وهلوا, وتوفيق, وحارات أخرى تقع شمالي شارع 30, وضواحي شارع المصانع في مقديشو.
وأما نقاط التفتيش التابعة لمليشيات الحكومة الانتقالية فحدّث ولا حرج, ولكنها مع كثرتها لا تقوم بتفتيش السيارات والبحث عن الأسلحة والمتفجرات, بل فقط تكتفي بأن تطلب مبلغا من النقود من سائق السيارة مقابل فتح المعبر, وإن لم يدفع ذلك المبلغ الذي يختلف من نقطة لأخرى, يهدد بإطلاق الرصاص على إطارات سياراته, وربما منع من العبور إذا لم يتفاهم فورًا مع العصابة.
مررنا على نقاط تفتيش كثيرة , وعلى كل من مدينة (دافيد, وليجو, وبورهكبا, ومنطقة (دينوناي) التي دارت فيها رحى الحرب بين قوات المحاكم الإسلامية والجيش الإيثوبي, وعندما وصلنا إلى معقل المحاكم الإسلامية كان سائق السيارة بحماسة ملحوظة يشرح لنا تفاصيل الحرب, وفي المزرعة المقابلة لمركز قوات المحاكم لاحظنا بعض الحصون التي اتخذتها القوات الإيثوبية, وذكر لنا, وقد تقدمنا قليلا نحو مدينة بيدوا , أنّ قوات المحاكم وصلت إلى هذه المنطقة, واستولوا في معسكر القوات الإيثوبية كثيرًا من المعدّات والأسلحة.
صورة قديمة لقوات المحاكم الإسلامية في منطقة مودي مودي ضواحي بيدوا)
قلت لسائق السيارة بعد أن رأيت المبالغ الباهظة التي يدفعها لكل نقطة تفتيش, هل كنت تدفع هذه المبالغ لنقاط التفتيش أيام المحاكم الإسلامية؟, فردّ قائلاً: أبدًا, كنا ندفع فقط ما يعادل نصف دولار من كل سفرة لصالح إصلاح الشارع.
وبعد أن وصلنا إلى مدخل المدينة وقد رأيت عمارة مهدمة سألته قائلا: وما خبر هذه العمارة , فقال لي : إنها كانت معسكرًا للإيثوبين, نفذت فيه الحاكم الإسلامية أول عملية استشهادية بسيارة مفخخة تمكنت من الدخول إلى وسط المعسكر .
(صورة من أكبر العمليات التفجيرية التي هزت ضواحي بيدو)
بيدوا كما رأيتها
لم يكن هذا السفر أول سفر لي إلى مدينة بيدوا , فقد عرفتها منذ عام 19998م, أيام حكم حسين عيديد لها, وتجدر الإشارة إلى أن هذه المدينة عانت طويلا جرّاء أطماع الجبهات المتناحرة , ففي بداية المطاف حدثت في المدينة وضواحيها مواجهة عنيفة بين أنصار الرئيس الراحل (محمد زياد بري) وأنصار الجنرال الراحل (محمد فارح عيديد), وبعد فترة من تلك الحادثة امتدت أطماع الجنرال(عيديد) إلى المدينة نظرا لأهميتها الإستراتيجية, حيث فرض عليها حكمه, وأورثها بعده نجله(حسين عيديد) الذي سقطت المدينة من يديه بعد أن دارت معارك طاحنة بين جيوشه وبين قوات جبهةRRA المشكلة من العشائر القاطنة في المدينة وضواحيها.
ومنذ اتخاذ الحكومة الانتقالية المدينة مقرا مؤقتا لها في عام 2004م شهدت المدينة غير قليل من من الاضطرابات والاغتيالات,وقد كان أشدها وطأة على سكان المدينة اغتيال رئيس البرلمان في حكومة عرتة السابقة الأستاذ(عبدالله ديرو إسحاق) الذي تم إعدامه من قبل عصابة مجهولة بعد أدائه صلاة الجمعة في إحدى الجوامع.
ولكن من ناحية أخرى يلاحظ أن المدينة ربما استفادت بعض النشاطات التجارية, واكتسبت أهمية خاصة للهيئات الدولية والمحلية على حد سواء, وحين حدث الحرب الأخير في مقديشو نزحت آلاف الأسر إلى المدينة, وهنا اكتسبت المدينة حركة ملحوظة في الأعمال التجارية.
(هذه اللوحة الإعلامية ترجع إلى أيام قدوم الحكومة الانتقالية إلى بيدوا , وتوضح بأن أهل مدينة بيدوا مستعدون لاستضافة الحكومة الانتقالية)
وعند قدومك إلى (بيدوا) يكثر الحديث في الأوساط الشعبية عن مصطلحات كثيرة تذكرك ببغداد ما بعد الاحتلال, مثل حظر التجوال الذي أصبح سنة متبعة في المدينة من بعد أداء صلاة المغرب, وكذلك تسمع هنا في بيدوا ( المنطقة الخضراء) التي تتحصّن فيها مجالس الحكومة الانتقالية, وتسمع كذلك كثيرا ثنائية (الاحتلال والمقاومة).
ثم كان وداع بيدوا, متجها نحو (لوق)175كم من بيدوا, مارين على كل من مدينة (بردالي)و قرية (يركد), في طريق وعر تتخلله نقاط تفتيش تابعة لمليشيات قبلية يرتفع عددها كلما اقتربت من قرية (يركد).
في مدينة لوق Luuq
ذكريات طفولة جميلة ... وآلام واقع راهن.
تشدني إلى مدينة لوق ذكريات طفولة جميلة وموغلة في الذاكرة, فقد ولدت في القرى المتاخمة لنهر جوبا في ضواحيها, وقضيت أيام طفولة غالية في نهرها الواسع سباحة ونزهة, ودرست أساسيات اللغة العربية والكتابة فيها, وتلقنت القرآن في خلاويها, وفي مدخل المدينة على ضفة النهر تقع مدرسة (صلاح الدين) التي درست فيها الابتدائية, فكان مما لا أنساه أبدا أوقات الاستراحة التي كنت أقضيها مع أقراني في وسط العشب الكثيف على ضفاف النهر.
وفي تاريخ المدينة نقرأ أن الاستعمار الإيطالي استولى عليها ضمن المدن التي سيطر عليها في جنوب الصومال, وكانت تمثل إستراتيجية خاصة عنده نظرا لكونها معبرا يربط إقليم (جدو) الواقع غربي نهر جوبا, ببقية الأقاليم الجنوبية, وبالأخص العاصمة مقديشو, ومنفذا يربط الصومال بالحدودين الإيثوبي والكيني, حيث تبعد المدينة من الحدود الإيثوبية نحو70كم , ومن الحدود الكينية نحو100كم تقريبا؛ واستجابة لتلك الإستراتيجية بنى الإيطاليون في المدينة جسرا قويا لا يزال راسخا حتى اليوم دون أن يتعرض لأي خلل.
وبعد انهيار النظام المركزي في الصومال عام 1991م شهدت المدينة مطاردات حربية بين القبائل المتجاورة في ضواحيها,ثم كانت سيطرة حركة الإتحاد الإسلامي عليها في 1994م, وفي أيامهم شهدت المدينة ازدهارا كبيرا في التعليم, حيث فتحت الهيئات الإسلامية مشاريع تنموية وإغاثية فيها وفي المدن والقرى المجاورة لها من محافظة(جدو), واستمر الإتحاد الإسلامي في حكمها حتى عام 1997م حين هاجمت عليهم القوات الإيثوبية, بمساعدة بعض أنصارها من أبناء العشائر القاطنة في الإقليم, وخاض الاتحاد الإسلامي مع الإيثوبين وحلفائهم حروبا طاحنة أودت بحياة الكثيرين من طرفي النـزاع,وكان الشعب هو الضحية بعد أن أغلقت المدارس أبوابها ومنعت الهيئات الخيرية الإسلامية من الاستمرار في مشاريعها التعليمية والإغاثية.
ولهذا تدخل مدينة لوق , والمدن المجاورة لها من إقليم جدو في عامها العاشر من الاحتلال الإيثوبي, فمنذ عام1997م لم تغب كتائب الجيش الإيثوبي من المدينة ثلاثة أسابيع متتالية, وإذا اختلف حلفاؤها القائمون على إدارة المدينة في شيء تتدخل لصالح الطرف الذي تجده أكثر إخلاصا وولاء إلى مصالحها, ويكون نصيب الطرف الآخر الإقصاء والاتهام بالإرهاب بعد أن كان حليفا بالأمس, أضف الى ذلك ما تمارسه من إثارة الفتن والتحريش بين القبائل وإمداد كل منها بأسلحة تقاتل بها الأخرى, ومنذ أن أغلقت أبواب المدارس العربية بعد الإطاحة بالاتحاد الإسلامي كان سكان المدينة يبدون قلقا شديدًا من الانقطاع التعليمي الذي يتعرض له أطفالهم, وقد لجأ كثير منهم إلى الفرار بأبنائه وإلحاقهم بالمدن المجاورة التي تستمر فيها التعليم, وكذلك أخذت قوافل السيارة المحملة للبضائع طريقا آخر بعد أن فرضت عليهم المليشيات الموالية لإيثوبيا المقيمين في نقاط التفتيش التابعة للمدينة مبالغ باهظة تؤخذ من كل سيارة.
وبعد أعوام كثيرة من المعاناة أسست مؤخرا في السنتين الأخيرتين لجنة من شباب المدينة المغتربين مدرسة أساسية في المدينة استطاعت أن تغطي طرفا من الأزمة التعليمية.
(صورة حديثة لطلاب مدرسة لوق الأساسية وهم يقفون في الطابور)
مكثت في مدينة لوق هذه المرة- على غير عادتي- عشرة أيام كنت أشعر فيها غربة نفسية؛ لغياب الأوجه التي اعتادت عليها المدينة بعد العزلة التجارية والتعليمية التي فرضت على المدينة منذ سيطرة الاحتلال الإيثوبي ومناصريه عليها, فقد تحولت المدينة بعد مرور 10أعوام من تاريخ استيلائهم عليها إلى قرية خاوية على عروشها.
وحين أردت التقاط بعض الصور ذكر لي بعنف تصاحبه الشفقة بعض المرافقين من المقيمين في المدينة بأن القوات الإيثوبية تمنع أي تغطية إعلامية في المدينة ,وذكروا لي أنهم أودعوا السجن أحد شباب المدينة الذي كان يلتقط صورا تذكارية في ضفاف النهر بمقربة من المعسكر الإيثوبي.
قرية جربولو وذكريات أيام الزراعة.
بهذه القرية الواقعة على ضفاف نهر (جوبا)17كم من لوق تربطني أيضا ذكريات طفولة محفورة في الذاكرة , فقد كنت أشارك في حرث المزرعة إلى جنب أقراني من أبناء القرية, وبعد العودة من المزرعة, وأداء فريضة العشاء , وتناول وجبة العشاء, كنا نقضي عادة ساعات سمر جميلة في فناء القرية الفصيح, بين ألعاب شعبية , وحكايات خرافية وفلكلورية, خصوصا في مواسم الأمطار من فصلي الخريف والربيع, وفي مواسم العطل الصيفية.
ولكن الآن بعد أن مضى عليّ سنوات لم أشمّ فيها عبير قريتي, وهواها النقي, كان للإقامة فيها معنى خاصُ في نفسي, فالحياة هنا طازجة وممتعة بكل ما تعنيه الكلمة.
وفي الخدمات التعليمية لا يزال أهل القرية متمسكين بتعليمهم التقليدي المكون من مدرسة تحفيظ قرآن, ومدرسة أساسية تدرس المواد باللغة الصومالية, وطبيعي في قرية صغيرة مثل قرية (جربولو) أن يتكرر على الطالب الانقطاع التعليمي سيما في أيام الجفاف, حيث تنتقل الأسر وراء مساقط الأمطار ومنابت العشب, ولو كانت بعيدة من القرية مئات الكيولمترات, وهنا يودّع بعض الأطفال المدرسة وتحفيظ القرآن, وينتقل مع أسرته بقطيع الغنم والبقر والإبل, مصطحبين معهم على ظهور جمالهم خيامهم ومكونات بيوتهم التي تُصنع من نسيج محكم لبعض الأعشاب, يجيد صناعتها الأمهات الصوماليات. وإذا أتى موسم المطر تعود الأسر إلى القرية, ويستأنف الطلاب تعليمهم بعد انقطاع يدوم شهرين أو ثلاثة.
وعلى غير عادة أهل المدن ينطلق الطلاب هنا في القرية إلى تحفيظ القرآن في تمام الرابعة قبل الفجر, بأن يؤدّوا فريضة الفجر في خلوة القرآن وراء معلمهم, لينهوا الحفظ والمراجعة قبيل طلوع الشمس, وعندها ينطلقون إلى تناول وجبة الفطور, ثم ينطلقون إلى المدرسة, أو إلى رعي الغنم, أو حرث المزرعة وحراستها حاملين معهم مصاحفهم وألواحهم ليتمكنوا من مراجعة القرآن أثناء حراسة المزرعة أو الغنم. فالحياة هنا شاقة لا تترك وقتا للنـزهة, والأطفال هنا بفعل ذلك الجهد الشاق تجدهم يفكرون بعقول كبيرة لا تعرف الدّلع, وتجدهم كذلك يقبلون على التعليم بشغف شديد يفوق كثيرا طلاب المدن الكبرى.
وشيء آخر كان يجذب اهتمامي هو أن كل شيء في القرية طازج, فالفواكه والخضروات تقطف من المزرعة بشكل يومي دون اللجوء إلى التبريد لفترات طويلة كدأب أهل المدن, وإذا أردت أن تتسوك عند بكورك إلى المزرعة ما عليك إلا أن تمد يدك إلى شجرة الأراك في حافتي الطريق لتقطف لك عودا رطبا تستخدمه ليومه فقط, فلا داعي هنا لاستخدام مسواك واحد لأسبوع أو أسبوعين كما في المدن الكبرى.
في ربوع مدينة " بلدة حواء" Balad Xaawo
المثلث الحدودي بين الصومال وكينا وإيثوبيا
تقع بلدة حواء (110كم من مدينة لوق) على الخط الحدودي بين الصومال وكينيا, وتبعد من الحدود الإيثوبية الصومالية 40كم فقط, وتشكل مدينة سكنية واحدة مع مدينة (منديرا) الكينية , يفصلهما فقط الخط الحدودي بين البلدين, وهذه الأسباب كلها جعلت هذه المدينة الفتية تكتسب استراتيجيه اقتصادية, وكثافة سكانية متزايدة , وتوسعا في العمارة والبناء.
(صورة للشارع الرئيسي لبلدة (حواء) في وقت تزدحم فيه السيارات)
الحياة في بلدة حواء هادئة نسبيا, بعد فترات من الحروب والفوضى التي شهدتها المدينة في العقد الأخير, ويبدو الآن بعد هذه الفترة أن أطراف النزاع اختارت السلم, وانتهى بهم الأمر إلى تشكيل سلطة من العشائر الساكنة في المدينة, وفي محاولة لوضع حد لإراقة الدماء التي أصبحت دأبا متبعا وشيئا هينا في الصومال منذ سقوط النظام المركزي, اتفقت سلطة المدينة على أنّ حكم قتل العمد في المدينة وضواحيها القصاص فقط.
ومما يعطي أهمية خاصة لزيارتي إلى بلدة حواء هذه المرة , أنني تمكنت من زيارة الحاجة
(حواء حسين علي البالغة من العمر مائة ونيف) التي سميت المدينة باسمها, فقد انطلقت بعد مكوثي في بلدة حوّاء ما يقارب عشرة أيام مع الزميل (محمود برالي) نحو حي (بلد أمين) المنفصل قليلا من المدينة, فهنا في حارة تكتظ فيها العرشان تسكن الحاجة حواء, وقد استقبلتنا في خارج العريش امرأة متقدمة في العمر ذكرت لنا أنها بنت الحاجة حواء, ثم أذن لنا بالدخول وسلمنا على الحاجة حواء التي فيما يبدو لا تستظيع النهوض من فراشها بسبب الأمراض ووهن الشيخوخة, ولكن كل هذا لم يحل دون أن تقص لنا قصة تسمية المدينة باسمها, فذاكرتها لا تزال قوية, وفي حديثها عن سبب تسمية المدينة باسمها قالت " كنت أنا وزوجي ووالدي جنودا في جيش الاستعمار البريطاني المقيم في منديرا الكينية , فبعد فترة فكرت أن أبنيَ لي عريشا في الأراضي الصومالية ما يقابل مدينة منديرا, فبنيت العريش, وكنت أبيع في فنائه من الجنود والمسافرين الشاي واللبن الذي كان يأتي إليّ من البوادي المجاورة, ثم كانت بعد ذلك ظروف أجبرتني بالانتقال من المدينة إلى (نجيلي) من الإقليم الصومالي في إيثوبيا الفيدرالية, وبعد مرور الزمن عدت إلى هنا وقد توسعت القرية وأصبحت مدينة , ولهذا سميت المدينة باسمي لأنني كنت أول من سكن فيها"
بالنسبة للخدمات التعليمية تمتلك المدينة مدرستين تدرسان المنهج السعودي, وعدة معاهد تدرس اللغات والكمبيوتر, وإلى جانب ذلك فإن المدينة ترتبط في حياتها التعليمية بجارتها منديرا, التي حظيت بمدرسة (نور الإسلام) التي تدرس منهج المعاهد الشرعية السعودية, وينتقل ما يقارب 2000 طالب وطالبة من بلدة حواء إلى منديرا يوميا للدراسة في نور الإسلام , أو في المدارس الحكومية الكينية.
أما مدارس تحفيظ القرآن فهي سيدة الموقف, حيث تجد في كل حارة من حارات المدينة عشرات المدارس التي تكتظ بالطلاب والطالبات, فتوجه الطالب إلى حفظ القرآن قبل الالتحاق بالمدرسة أولوية تقليدية حيث وجدت أسرة صومالية.
وفي الصعيد الإعلامي تمتلك المدينة إذاعة MAANDEEQالمحلية التي تُبث على موجة FM, والتي تأسست الإذاعة بجهود بذلها بعض شباب المدينة, وتقدم الإذاعة خدمات إعلامية متميزة من برامج يومية وأسبوعية , وتغطية للأخبار سيما المحلية, ومن البرامج التي لفتت عنايتي أثناء متابعتي للإذاعة برنامج( العالم الإسلامي) الذي يحللون فيه بشكل يومي أحداث العالم الإسلامي, وكذلك برنامج(جدو تحت المجهر) الذي يتناول موضوعات تخصّ المحافظة, ولا تخلو الإذاعة من برنامج الأطفال الذي يستمر بثه ما يقارب ساعة صباح يوم الجمعة, حيث يشارك فيه عبر خط التلفون أطفال مدينتي(بلدة حواء, ومنديرا).
وفي خدمة الاتصالات تتنافس في المدينة أربع شركات صومالية هي( Hurmuud والخطوط الوطنية Nationlink, و Somatel, و Somafone) , وشركة كينية هي(Safaricom) , فأنت في بلدة حواء لا تعرف هل أنت في الصومال أم في كينيا, حين ترى العملتين الصومالية والكينية تستخدمان إلى جنب, وتجد الإذاعات المحلية الكينية والصومالية تبث برامجها في المدينة وضواحيها.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن إقليم NFD وهو الإقليم السابع من جمهورية كينبا, كان جزءًا من صوماليا الكبير قبل ضمه إلى كينيا في أيام الاحتلال البريطاني, وحين استمعت إلى إذاعة Srar FM وهي إذاعة تتحدث بالصومالية ومركزها (مدينة جارسا) عاصمة الإقليم الصومالي في كينيا, كانت أغلب القضايا التي تطرحها للنقاش ترتبط بالواقع الراهن في الصومال, وبالأخص في العاصمة مقديشو, وكان كثير من المشاركين في النقاش يطالبون القوات الإيثوبية بالانسحاب من الصومال, ويطالبون الحكومة الكينية بالتخلي عن تعاونها مع إيثوبيا في احتلالها للصومال.
فعلى الرغم مما فعله المستعمر بالجسد الصومالي الذي مزقه شرّ تمزيق, فإن الرابط لا يزال قويا بين العرق الصومالي أين كان , وأيّ جواز سفر حمل, وتحت أي مسمى جغرافي عاش, وتظل العقيدة الإسلامية واللغة الصومالية الرمزين الموحدين للشعب الصومالي, والخيط الموصل بين أجزائه.
الصومال بلد المتناقضات
لعلّ المرء لا يفهم مفهوم المتناقضات كما يستوعبه حين يصل إلى الصومال, ففي الصومال تتكرّر عليك المتناقضات في كل لحظة , بل لا تزال تلاحظها إذا التفت إلى حواليك في مقديشو , وبيدوا , وبلدة حوّاء, وغيرها من المدن, ولهذا رأيت من الأهمية بمكان أن أوقف القارئ الكريم على بعض الصور من تلك المتناقضات في الصومال. وبالجملة تنحصر هذه المتناقضات في محورين كبيرين هما:
المحور الأول: ممّا هو معلوم أن الصومال بلد أنهكته الحروب, حيث تستمر فيه للعام السابع عشر, ولا يزال هذا الحرب يتطور إلى الأسوأ بين حين وآخر, فإراقة الدماء في الصومال منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي أصبحت شيئا هينا , كما أن استهداف الكوادر باتت سنة متبعة عند زعماء الحبهات والعصابات القبلية, ثم كان بعد ذلك ما هو أشدّ وأعظم منذ تمكن العدوّ التاريخي من الوصول إلى حاضرة البلاد ورمزها, فالرصاص في حسابه ليست فقط جزاء من حمل السلاح عليه, بل يجب أن يكون هدفها كل صومالي, لمجرد أنه صومالي مسلم, ولا حرج عليه في ذلك مادامت القوى الكبرى تبارك له في تصفيته لحسابات ترجع إلى قرون طويلة, وقد كانت أكبر حادثة هزت مشاعري في الجانب الأمني أثناء تواجدي في مقديشو حين شاهدته عشرات الآلاف من المدنيين يفرّون من داخل سوق(بكارو) بعد أن اشتد القصف العشوائي عليه, وأغلب هؤلاء الفارين من النساء والأطفال, فالكل هنا يحاول النجاة بنفسه فارّا إلى جهة معاكسة لوجهة الرصاص, وقد اتجه أغلبهم جنوبا نحو حي (تليح وكيولمتر4), وتختلف سرعة الجري من شخص لآخر حسب خفة الوزن والبراعة في الجري, فوقفت بضعة دقائق في ركن طرف الشارع وقلبي يتقطع شفقة وحزنا على العجائز والنساء اللاتي يحملن فوق ظهورهن فلذات أكبادهن ويحاولن النجاة من الرصاص, فهل تطيق قلوبهن تحمل خوفين في آن واحد خوف على النفس, وخوف على الطفل؟!
أما الشباب العاملون في السوق فإنهم يفرّون من الوقوع بأيدي الإيثوبين ومليشيات الحكومة الانتقالية, الذين تعودوا على أسر أحداث السن واتهامهم بالإرهاب, والمشاركة في الحرب, ليتم بيعهم بعد ذلك من أسرهم بمبالغ من الدولارات.
وفي هذا اليوم نهبت قوات الاحتلال الإيثوبي ومليشيات الحكومة الانتقالية من سوق (بكارو) أموالاً قدرت بعشرات الملايين من الدولارات, فمن الطبيعي في الصومال أن يصبح الشخص غنيا ويمسي فقيرًا, بسبب عمليات النهب المتواصلة التي دخلت في العام الأخير أشد مراحلها.
المحور الثاني: وفي مقابل ذلك, تجد وأنت في الصومال في جوانب النشاط الاجتماعي والتعليمي والاقتصادي تناقضا كبيرا مع تلك المأساة الأمنية التي قرأنا بشكل سريع نماذج منها, فأنت في الصومال من بعد أداء فريضة الفجر إلى غروب الشمس تجد مواكب الطلاب تتدفق على المراكز والمؤسسات التعليمية من تحفيظ قرآن , ومدارس , ومعاهد, وجامعات, وإذا حدثت اشتباكات جوار الخلوة القرآنية , أو المدرسة, أو الجامعة, يفرّ الطلاب والمدرسون إلى بيوتهم, وربما استأنفوا الدراسة في الحصص التالية إذا وضعت الحرب أوزارها, وأما إذا استمرت على حالهها فما عليهم إلا أن يراقبوا الأحداث عن كثب؛ ليعودوا إلى دراستهم بعد انكشاف الأزمة.
وفي الخدمات الإعلامية تجد الإذاعات المحلية في تنافس, بل وتسمع بين فينة وأخرى افتتاح محطة إعلامية جديدة, أو تأسيس مجلة أو جريدة , سواء أكانت سياسية أم اجتماعية , وكذلك تجد الشباب يصدرون إنتاجاتهم الإبداعية من نصوص شعرية , أو قصص, أو روايات, أو دراسات .
وإذا راقبت قليلا الفواصل الإعلامية التي تتخلل برامج الإذاعات المحلية في الصومال تسمع إلى مؤسسة تجارية افتتحت ,أو معهد تقني يفتح أبوابه للراغبين في التسجيل, أو محل اتصالات دولية يعلن عن أسعار مغرية تصل إلى دولار واحد في كل سبعة دقائق, أو تسمع إلى مؤسسة أهلية تعليمية تعلن عن المميزات والخدمات التي تقدمه مدارسها.... إلى غير ذلك من جوانب التنمية.
أما أسعار المواد الغذائية , وتكلفة الحياة بشكل عام, فإنها تجبر الأسر المحدودة الدخل, فمائة دولار في الصومال تكفي أسرة متوسطة في الشهر, وتؤجر (الفلل) من الطراز المتوسط 40-60دولار في العاصمة ونحو 20-30 دولارا في المدن الأخرى.
فالصوماليون أثبتوا بجدارة تجربة عجيبة في استمرار الحياة بشكل طبيعي في ظل غياب النظام المركزي, باستثناء الأزمة الأمنية التي يعتقد المحققون أنّ الأيادي الخارجية وأذيالهم من ذوي المصالح الخاصة هم الذين يقفون وراء تدهورها, بوقوفهم أمام أي تمخض مبشر للشعب.
الأعمال التجارية والتجارة مستمرة , والطلاب يقفون في الطابور , إلى جنب الانفجارات, والحروب المتواصلة..
ختاما:
توقعات في طبيعة السيناريوهات المقبلة في المشهد الصومالي.
الآن وقد اقتربت السفينة من الشاطئ, بعد أن غصنا في محيط المشهد الصومالي, و تجولنا في ربوع الصومال, أرى لزاما عليّ أن لا أضع القلم , وأودّع القرّاء الكرام إلا بعد أن أضع قراءة موجزة لتوقعاتي في طبيعة السيناريو المقبل في المشهد الصومالي, وأوجزها في نقطتين :
- بالنسبة للتواجد الإيثوبي فقد شرحنا في صفحات هذا المقال ما يؤكد على أنه لا يقوم على أقدام وثيقة, خصوصا بعد أن عرفنا الغضب الشعبي المتزايد, وخلفية الصراع الدافع له, وبناء على ذلك فإننا نتوقع أن صمود المقاومة وحيويتها ربما يجبران الاحتلال بالانسحاب في وقت قريب, بل ستطرح أمامه ذكريات مرّة تجعل العودة إلى الصومال, والتدخل العسكري في أراضيها اختيارا متأخرا, أو مستحيلا في جدول قادة الجيش الإيثوبي.
وثمة احتمال آخر باستمرارهم في التواجد العسكري في الصومال, ويقوى هذا الاحتمال بعدما نعرف أن النظام العسكري الإيثوبي يحوز بتواجده العسكري في الصومال مباركة القوى الكبرى ودعمها, ولعلّه وجد في ذلك متنفسا ماديا من ميزانية تلك الكتائب, خصوصا وأنّ الإرادة الشعبية ليس لها أي تأثير في ظل النظام العسكري في إيثوبيا.
- أما بالنسبة للمقاومة , وقد شرحنا الأطراف المشاركة فيها, ووقفنا على عدم وجود مشروع سياسي يجمعها, فإن هناك احتمالين في مستقبلها:
الأول: وهو الاحتمال الذي يربط به الشعب الصومالي أمنياته, وهو أن تستفيد المقاومة من التجارب السابقة, وتتعلّم من الظروف, وتسعى لإيجاد مشروع وفاق وطني يضع حدا للأزمة الصومالية, ويعيد الأمل إلى الشعب الصومالي.
الثاني: هو أن تستمر المقاومة في اهتماماتها بالخلافات الجزئية, وتختار الفرقة والعشوائية, وهذا الاحتمال ربما يمهد إلى اندلاع حرب بين أطرافها بعد انتهاء مرحلة المواجهة, ويتذكر المراقبون في ذلك ما حدث بين الجبهات الأفغانية بعد إخراج قوات الاتحاد السوفيتي.
الأراء والمقالات والتعليقات الواردة في موقعنا لا تعكس بالضرورة آراء مشرفي هذا الموقع
للأتصال بمشرفي الموقع: alsomal@hotmail.com أو الأتصال من خلال صفحة (إتصل بنا)
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والقبلي والعنصري والشتائم