بقلم/طلعت رميح/الشرق القطرية:-بقدر
ما نجحت المقاومة الصومالية فى انهاك وارهاق وعزل وحصار وهزيمة قوات
الاحتلال الاثيوبية استراتيجيا حتى باتت على اعتاب اعلان النصر، بقدر ما
اصبحت اليوم قاب قوسين او ادنى من النكوص والتراجع عما انجزته، من خلال
التخلي عن اهم العوامل التى اوصلتها الى النجاحات والتطور.
وفى ذلك تثبت
المقاومة الصومالية ما هو مثبت فى معظم تجارب حركات التحرير، من ان الشعوب
والاحزاب والجماعات، تكون قادرة دوما على مواجهة الاعداء وهزيمتهم فى
ساحات الحرب والمواجهة، لكنها، ما ان تصبح على ابواب النصر، تدب فى داخلها
الخلافات وتظهر بين مكوناتها التناقضات بما يعرض نصرها للخطر، بل بما يعيد
لعدوها او خصومها قدرة على قلب معادلة الهزيمة، خاصة حين لا تكون المقاومة
قد انجزت الفصل الاخير من معركتها الفاصلة.
المقاومة الصومالية تكرر الخطأ
الذى وقعت فيه الكثير من تجارب حركات التحرير الوطنى والقومى والاسلامى،
التى كانت افتها الانقسام، الناتج عن عدم قدرتها على الاتفاق منذ بداية
انطلاقها او مع تجمعها فى اطر موحدة لجهودها، على برنامج سياسى لآفاق
معركة التحرير ولخطط البناء ما بعد التحرير، على المستويات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية، بما يؤكد مجددا، ان الاقتصار على فكرة مواجهة
المحتل واخراجه، لا تمثل الا الشطر الاول من كل استراتيجية، حيث ما ان
تلوح آفاق النصر او تبدأ عملية البناء، تظهر التناقضات والاختلافات وتصير
هى المعطى الاول، هو ما جعل الكثير من حركات التحرير، تدخل فى حروب اهلية
بين مكوناتها، التى قاتلت جنبا الى جنب-فى اعقاب رحيل المستعمر.
لقد
كان النموذج الافغانى حالة من الحالات الواضحة فى هذا الطراز من الانقلاب
على النفس والدخول فى معارك داحس والغبراء بين مكونات فصائل المقاومة
الاسلامية عقب اجلاء قوات الاحتلال السوفيتية من هذا البلد. كانت قوى
المقاومة الاسلامية والوطنية الافغانية - وفق ظرف عربى ودولى مساعد ومساند
- قد تمكنت من هزيمة القوى العظمى الثانية فى النظام الدولى ثنائى
القطبية، بل هى كانت معول الهدم الأبرز لتلك القوة الدولية الطاغية فى
قدراتها العسكرية والتسليحية، لكن تلك المقاومة ذاتها لم تتمكن من مواجهة
نفسها ومشكلاتها ومشكلات الواقع الافغانى، فغرقت ومعها الشعب الافغانى فى
حرب اهلية داخلية مدمرة، لا شك انها كانت ضمن مخططات القوى الدولية التى
ساندت الجهاد الافغانى، اذ هى كانت تدرك ان تناقضتها مع المجاهدين هو بنفس
درجة تناقض المجاهدين مع بلاد السوفيت، فقررت تحويل مساندتها من بعد إنهاء
الاحتلال، الى عامل من عوامل التدمير لحركة الجهاد والمجاهدين، الذين
ساندتهم من قبل.
لكن
اشكالية ما جرى مؤخرا من انقسام فى حركة المحاكم الاسلامية او فى حركة
المقاومة الصومالية بشكل عام، هو حالة أعقد واشد خطرا مما جرى فى الحالة
الافغانية. صحيح ان اسباب الانقسام فى الحالتين تعود على نحو ما، لتداخل
مصالح مجموعات المقاومة الافغانية مع دول المحيط وربما بعضها مع القوى
الدولية بما يعزز الانقسام والصراع ويحول دون الوصول الى اتفاقات داخلية،
كما تتشابه الحالتان فى الانقسام على خلفيات من عدم التوافق حول رؤية ما
بعد التحرير، كما فى كلتا الحالتين قد رأى بعضها الآخر متورطا فى مهادنات
وتحالفات وتسويات مع بعض الخصوم او الاعداء او متشددا يزهق روح الاستمرار،
لكن الحالة الصومالية تتمايز عن الحالة الافغانية، فى ان الانقسام وتباشير
الصراع واحتمالات نشوب حرب اهلية -تتوزع فيها المقاومة بين اطرافها - امر
يجرى قبل انجاز التحرير، على خلاف ما كان الحال عليه فى الوضع الافغانى،
اذ اشتعلت الخلافات والحرب الاهلية بعد جلاء قوات الاحتلال السوفيتية.
الانقسام الصومالي
الانقسام
الصومالى الذى جرى مؤخرا على خلفية اتفاق جيبوتى، بين جناح الشيخ شريف
والشيخ أويس او اويس، لم يجر بعد التحرير وانما هو يجرى وحركة المقاومة
الصومالية قاب قوسين او ادنى من تحقيق النصر والتحرير.
الشيخ شريف -
وفق ما يمكن فهمه من التصريحات الاعلامية - يرى الاتفاق خطة لخلخلة القوى
المرتبطة بالاحتلال، وخطوة للامام فى مسيرة اخراج قوات الاحتلال
الإثيوبية، وضرورة من ضرورات اعادة بناء الصومال بعد خروج قوات الاحتلال
وعاملا من عوامل وأد الحرب الاهلية، اذ هو يمثل حالة توافقية مع الحكم
الذى كان قائما فى جزء من ارض الصومال، خلال فترة مقاتلة المحاكم قبل دخول
القوات الاثيوبية.
لكن
الشيخ اويس، يرى - وفق ما يمكن استنتاجه- ان مثل هذا الاتفاق لن يخرج قوات
الاحتلال الاثيوبية بل هو يقدم لها طوق النجاة وربما قد يمثل غطاء لبقاء
حالة الاحتلال والسيطرة الاثيوبية من خلال رجال الحكم الحالى، كما يعيب
على الاتفاق انه يحمل اشارات على إدانة المقاومة التى جرت وتجرى على ارض
الصومال. كما هو فى الاغلب يرى ان التوافق - من الاصل - مع حكومة استدعت
قوات اجنبية لاحتلال الصومال من اجل ان تظل على كراسى حكم مهلهل، هو توافق
لا يجوز سياسيا ووطنيا وربما شرعيا ايضا، وان تحرير الصومال يجب ان يتم عن
طريق المقاومة والى حين يعترف المحتل بالهزيمة.
وفى
عمق فهم ما يجرى، يرى الكثيرون ان الانقسام ناتج عن تمايزات فى الارتباط
بين مجموعات المحاكم ودول اقليمية، وربما دولية، ولذا أطلقت وسائل الاعلام
على الفريقين المنقسمين، جناح اسمرة (اويس)، وجناح جيبوتى (شريف) فى تأكيد
لمعنى الارتباط بأوضاع اقليمية وليس اشارة لاماكن تواجد القيادتين فى
الخارج، وهو ما يذكر مجددا بما كان حادثا من قتال داخلى فى افغانستان بعد
ظهور حركة طالبان، حين كانت الحركة مرتبطة بخط مباشر مع باكستان (وهو قول
ما زال يتردد حتى بعد اطاحة طالبان من الحكم وتحولها الى حالة مقاومة من
جديد، اذ تتهم المخابرات الباكستانية بدعم الحركة)، بينما كان تحالف
الشمال على ارتباط وثيق بايران والهند والولايات المتحدة، بل ربما الروس
ايضا.
لكن
العمق الجوهرى للازمة التى نشبت داخل المحاكم، انما يعود من الاساس الى
الحالة الفكرية التى تشكلت على اساسها المحاكم والى طبيعة التبلور الفكرى
والسياسى والتظيمى لها، والى طبيعة التعاطف الجماهيرى الواسع، الذى جاء
اكبر من قدرة قيادات المحاكم على مواكبته واستثماره او استيعابه وربما
فهمه ايضا.
وفى
هذا الاطار يمكن القول، بان ما ظهر مؤخرا من خلاف بين شريف واويس (وتيار
كل منهما) هو عائد بالدرجة الاولى الى خلاف فى الرؤية للصومال ولمعركتها
ولدورها، فمن ناحية يرى اويس ان الصومال هو ساحة مواجهة للنفوذ والدور
الاقليمى لاثيوبيا والولايات المتحدة، وان الصومال القادم يجب ان يحكم وفق
اسس تعتمد الرؤية الاسلامية - كما يفهمها - ومن ثم هو لا يرى للحرب نهاية
الا بتأسيس سلطة اسلامية واضحة المعالم والرؤى والمفاهيم والمرجعيات، كما
يرى فى الاغلب انه لا نهاية للحرب الا باستعادة الاوجادين، وربما اعادة
توحيد ما انقسم عن الصومال مثل جمهورية ارض الصومال.. الخ.
أما
البادي من مواقف الشيخ شرف - انه يعتمد استراتيجية مرحلية، تقوم بالاساس
على فكرة تشكيل اجماع وطنى واسع الطيف لتحرير الصومال باقل قدر من
الخسائر، ودون الدخول فى صراعات كبرى تطيل امد المعركة، كما هو يتطلع الى
اعادة بناء الصومال على اسس وطنية عامة، مع الخروج به من دوامة الصراع بين
اثيوبيا واريتريا بقدر الامكان، وربما هو يرى ان العداء مع الولايات
المتحدة لا يحقق مصلحة الصومال.
وهنا
وعندما جرى الاتفاق بين الحكومة -وقوات الاحتلال الإثيوبى من حلفها -
والشيخ شريف ومن معه، رفض جناح أويس ما جرى الاتفاق عليه، وتحول الامر الى
ألاعيب تنظيمية وقرارات بالعزل، لكن كل ذلك مظهر لجذور الاختلاف بين
الرؤيتين المختلفتين من الاصل.
الخطر
وهنا
دخلت الحركة الوطنية والاسلامية الصومالية، الى حالة الخطر، اذ مثل هذا
الانقسام يفتح الطريق نحو تحول حرب التحرير الجارية الى حرب اهلية تغذيها
وتقف خلفها اثيوبيا واريتريا والتجمعات والتحيزات القبلية، او هو يعيد
الصومال الى ما كانت عليه الحال فى مرحلة ما قبل ظهور المحاكم الاسلامية
وان على نحو اخطر.
فهذا
الانقسام، انما يجرى فى داخل التنظيم الوحيد الذى تبلور فى خضم سنوات
طوال، من الحرب الطاحنة بين امراء الحرب وزعماء الميليشات، ليمثل الحالة
التوحيدية الاولى فى الوضع الصومالى وليقدم للناس مشروع بناء سلطة صومالية
موحدة ودولة تسير وفق القانون. اى اننا امام ضربة واجهاض للامل الذى رعاه
الصوماليين بأقوى مما قدر الجميع، وفى ذات نقطة الاساس التى ايده الناس من
اجلها: الصومال الموحد.
ثم
الانقسام لا شك سيؤدى الى تهيئة المناخ لظهور مجدد للكيانات والتجمعات
القديمة (امراء الحرب) التى لا شك انها ستجد فرصتها للعودة الى تشكيل
كيانات وعصابات، والسيطرة على مناطق واحياء وترويع الناس وجباية الضرائب..
باعتبار ان الناتج من صراع المحاكم مع بعضها البعض، انما يؤدى بصفة عامة
الى عدم سيطرة طرف على مقاليد الامور بما يمكنه من اعادة بناء دولة قادرة
على فرض النظام والقانون، وفى ذلك ستكون اثيوبيا هى الاسعد حالا، بل ربما
لن تجد ضرورة فعلية - فى تلك الحالة - لبقاء قواتها، اذ سيحقق الصوماليين
اهدافها بأيديهم.
والاخطر
هو ان انقسام حركة المحاكم، ليس بعيدا فى اسبابه عن الصراع والحرب الجارية
بين اريتريا واثيوبيا، فى مرحلة لم يعد من حل الا بانهاء وجود اى من نظامى
الحكم فى اى منهما، وهو ما يعنى ان مفاعيل الصراع الصومالى الداخلى
وتطوراتها وقرارات التحكم فى سيرها لن تكون بايدى الطرفين المنغمسين فيها
وحدهم من الآن فصاعدا، بل ستكون خيوط التحكم فيها بيد القوى الاكبر، خاصة
وان فصيل أويس سيظل يمارس فعاليات المقاومة ضد الحكم والقوات الاثيوبية،
بما يجعله فى حاجة لدعم من ارتيريا بينما الشيخ شريف سيجد نفسه فى نهاية
المطاف فى ذات الموقع مع المتحالفين مع اثيوبيا، وهو ما يعمق حالة الصراع
ويحولها شاءت الاطراف المختلفة ام ابت الى صراع مسلح، لتنقلب تجربة
المحاكم الاسلامية رأسا على عقب.
لقد
كانت ظاهرة المحاكم الاسلامية، الحالة التوحيدية الاولى فى الصومال منذ
انهيار نظام سياد برى، كما كانت الحالة "الوطنية الجامعة" للهوية والنظام
شبه المؤسسى فى هذا البلد خاصة بعدما تمكنت من السيطرة على معظم انحاء
الصومال، وفتحت المطار والموانىء وبادرت الى تأسيس الجيش والشرطة، كما
كانت هى الظاهرة الاكثر وعيا بأهمية تأسيس الدولة الصومالية، خاصة فى
مرحلة تحولها هى ذاتها من حالة "محاكم متناثرة" الى حركة عامة، بفعل ما
منحها الشعب الصومالى من تأييد ودعم ومساندة.
لكن
الاوضاع تتدهور الآن ليكون الانقسام هو بين قيادات المحاكم، وعلى اساس من
تحالف بعض قيادتها وعناصرها مع الحكم المرتبط بالاحتلال الإثيوبى، فى
مواجهة الجناح الذى يتمسك بخيار استمرار المقاومة، بما يدعو للقول باننا
امام تصرف سياسى غير مسؤول من قبل قيادات المحاكم، يكرر سيناريو
الانقسامات الصومالية القديمة وفق شخوص ورمزيات جديدة، ويكرر اخطاء
الافغان والكثير من حركات التحرر الوطنى، ويدخل الصومال مجددا فى دوامة
الصراع الاريترى الاثيوبى.
المقاومة.. مرحلة جديدة
وعلى
خلفية هذا الانقسام وبسببه، تتعرض الحركة الوطنية والاسلامية المقاومة فى
الصومال لنكسة وضربة خطيرة، لاشك ستؤثر على قدرتها وفعاليتها والاهم على
حجم التعاطف والدعم السياسى والجماهيري الذى حصلت عليه من قبل داخل
الصومال اولا، وعلى الصعيد العربى والاسلامى بطبيعة الحال.
كانت
المقاومة الصومالية قد حققت انتصارات كبيرة، فى الميدانين السياسى
والعسكرى. ففى الميدان السياسى كان الانتصار الاهم هو انها منعت الاحتلال
الاثيوبى من تثبيت السلطة التى دعمها، لخداع جماهير الشعب الصومالى، اذ
نجحت فى اجهاض شرعية مؤسسات الحكم الجديد وفى تفكيك التحالفات التى قامت
لحظة دخول القوات الإثيوبية الى العاصمة مقديشو، بل هى نجحت فى جذب عناصر
وتيارات من تلك التى تعاطت مع الاحتلال الاثيوبى الى صفوفها، بما حقق عزلا
يكاد يكون كليا للاحتلال وللقوى التى ارتبطت به برباط المصالح. وفى
الميدان العسكرى نجحت المقاومة فى منع تحقيق التموضع الآمن لقوات الاحتلال
كما ادخلت تلك القوات فى حالة استنزاف عسكرى واقصادى ونفسى، حتى لم تعد
قادرة الا على حماية معسكراتها، بما مكن قوات المقاومة من دخول العديد من
القرى والبلدات وبعض المدن فى مشهد كان متكررا بدلالاته التى اكدت توسع
سيطرة المقاومة على الارض، وانتزاع المبادرة فى العمل العسكرى من قوات
الاحتلال.
وهنا
واذ النصر النهائى بات اقرب الى الاعلان، جرى الانقسام فى حركة المحاكم،
وبين قياداتها الرئيسية، بدلا من تطوير ما تحقق والاستعداد لمرحلة ما بعد
انهيار الحكم المرتبط بالاحتلال، ولما بعد التحرير.
انقلبت المحاكم على مشروعها وعلى نفسها، بما يضعف صدقيتها امام الرأى العام الصومالى والعربى والدولى.
ولتعيد
تأكيد الدرس الاكبر والفكرة الذهبية فى كل مقاومة، بأن التأسيس للتحرير،
لابد ان يجرى على اساس مواجهة المحتل واخراجه، والاتفاق على طبيعة السلطة
التى يجب ان تقوم، وعلى طبيعة البرامج السياسية والاقتصادية، ما بعد
التحرير.
فهل فات الوقت، ام ما يزال هناك ما يمكن الارتكان اليه، بما يمكن من تفادي اجهاض تجربة المقاومة؟!
يا سمر الشعب الصومالي حباه الله بقيادة الشعوب لتغيير الواقع الحضيضي الذي يحياه العالم تحت سيادة الكفر
من سياد بري وتمريغ أنف أمريكا في تراب الصومال الطاهر
إلي مواجهة العدو الصليبي الأثيوبي
رب
كتب التعليق: سمر | بتاريخ: 28-07-2008
2. انجازات المحاكم
بدا الكاتب مقاله بالحديث عن انجاز ما حققته المحاكم الاسلامية يمكنه ان يتلاشى بعد الانقسام الاخير ماهي الانجازات التي حققتها المحاكم للشعب الصومالي سوى القتل والخراب منذ سقوطها 2006؟
الأراء والمقالات والتعليقات الواردة في موقعنا لا تعكس بالضرورة آراء مشرفي هذا الموقع
للأتصال بمشرفي الموقع: alsomal@hotmail.com أو الأتصال من خلال صفحة (إتصل بنا)
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والقبلي والعنصري والشتائم