د.عثمان أبو زيد*:- تستخدم
بعض التقارير الدبلوماسية وصف 'الثقب الأسود' للإشارة إلى حالة الصومال.
والثقب الأسود حسب الظاهرة الفلكية المعروفة هي منطقة (عدم) في الفضاء, نتيجة عوامل طبيعية معينة تجعل قوانين الطبيعة للكتلة والجاذبية والسرعة تعمل بطريقة غير طبيعية.
بدأت
مشكلات الصومال مع انهيار السلطة المركزية، واختلال ميزان القوى الداخلي
اختلالا أصبح من الصعب تداركه لعدم وجود نقطة ارتكاز تعيد التوازن إلى هذا
البلد.
هذه
هي المشكلة، يقول دكتور حسن: نحن في الصومال كل عناصر الوحدة الوطنية
متوافرة، دين واحد ولغة وثقافة مشتركة، ولكن اختلفت قبائلنا وتحولت
القبيلة إلى إيديولوجية وعقيدة سياسية فتفرقنا حتى صار حالنا إلى أسوأ ما
يكون. الخطأ الذي وقع فيه رجال السياسة عندنا أنهم تعاملوا في كل شيء على
أساس قبلي، فكلما وصل أحدهم إلى السلطة قرب عشيرته وأفراد قبيلته وإن لم
يكونوا من الاكفاء الصالحين للقيادة.
هناك مثل صومالي معناه أن 'الفقيه لا يختار الجنة إلا برضا قبيلته'،
وهذا على طريقة :
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد.
الانتماء
للقبيلة طغى على الانتماء الوطني والديني والسياسي والفكري، وفي الصراع
على السلطة والثروة انحاز كل شخص إلى قبيلته، والمشكلة أن تنقسم القبيلة
نفسها إلى فرعين متشاكسين كما هو الصراع بين 'هبر قدر' و'أبجال' داخل
قبيلة الهوية، وقد ينشطر الفرع إلى بطون وعشائر لأن جرثومة الانشقاق
والتمزق لا تستثني أحدا، فيقع التطاحن بين أفراد القبيلة الواحدة على أتفه
الأسباب.
يواصل
صديقي الدكتور حسن كلامه بلغة عربية فصيحة وكأنه يقرأ من كتاب، لكن سرعان
ما ينفعل ويرتفع صوته فيفقد لغته العربية الرصينة: 'تهوّر هذا ما هو كويس
يا أخي، الحرب مدمرة للناس وللاقتصاد إذا استطاع الناس أن يوقفوها
بالدبلوماسية والسياسة أحسن'.
أليس
هذا ما توصلت إليه الأطراف المجتمعة في جيبوتي أخيرًا؟ كنت أحاول فهم
الفرز الأخير الذي جرى حين انقسم التحالف إلى فصيلي أسمرة وجيبوتي، وهل
كان فرزًا على أساس قبلي؟
الشيء
الإيجابي هذه المرة أن الاختلاف حول أجندة سياسية، وهل يكون هناك توجه
لاتفاق مع الطرف الحكومي لإخراج القوات الأجنبية والاتفاق على قواسم
مشتركة، هذه خطوة سياسية يؤيدها أكثر من 70% من الشعب الصومالي كما يشير
استفتاء في بعض وسائل الإعلام.
يبدو
أن المواقف لم تكن على أسس قبلية هذه المرة، فهل تكون بداية صحوة صومالية
تجعل الإخاء الإسلامي والمواطنة الصالحة بديلاً عن النهج القبلي والعشائري
لحل المشكلات؟
إن
المحاكم الإسلامية تعدّ أول محاولة لتجاوز القبيلة، وهي أول تنظيم فيما
نعلم يتأسس بمبادرة داخلية يطرح قضية عامة يلتف حولها الناس. ولا شك أنه
أصبح معقد الأمل في وقت من الأوقات لدى مجموعات كبيرة من أهل هذا البلد
المنكوب. لذا فإن الكثير من المراقبين يرون في انقسامها عودة إلى مربع
الصراع على أساس القبيلة.
ونحن
نرى أن الاختلاف جاء على أساس رؤيتين؛ رؤية التحرير عن طريق المقاومة مع
عدم المساومة وهي الرؤية التي ارتضاها الشيخ عويس ومن صاروا معه في
اريتريا، ورؤية الشيخ شريف وأنصاره الذين يأملون في تشكيل إجماع وطني عن
طريق الحوار وعدم الدخول في مواجهة مع القوى الدولية وتجنب التجاذبات
الإقليمية. ويقتضي هذا بالضرورة التفاهم مع الحكومة القائمة والاعتراف بها
وإدانة أي مساس بالهدنة المعلنة.
في
ظل الظروف الدولية الدقيقة ومع وجود التجاذبات الإقليمية، يبدو أن طريق
الحوار هو أقرب الطرق للتحرير، ووصول جماعة سياسية تتمتع بتمثيل متنوع
وخطاب سياسي واضح ومحدد، جدير بأن يوصل إلى نقطة الارتكاز السياسي الذي
يؤهل للاتفاق على برنامج سياسي يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الذاتية
والقبلية.
إن
التنظيمات الصومالية الآن في حالة من الضعف بدرجة أنها إذا أرادت أن تعقد
مؤتمرًا للحوار احتاجت إلى مساعدة الآخرين. ومن أراد أن يؤهل نفسه
للمستقبل لا بد من أن يعتمد على نفسه، لأن المساعدات تجلب الوصاية وتفرض
الشروط، هذا أمر معروف.
لقد
كانت المحاكم الإسلامية قبل أن يخرجها الاحتلال قائمة بنفسها دون وصاية،
ولكنها لن تستطيع أن تبقى على استقلاليتها ما لم تسع إلى حشد القوى
الوطنية حول أهداف محددة، وتعتمد على نفسها ، دون انغلاق..وانكفاء .
هذه بعض الهموم التي نتبادلها مع أصدقائنا الصوماليين، متطلعين معهم إلى فجر تنقشع فيه أهوال الحرب والمآسي الإنسانية.
---
د.عثمان
ابو زيد
استاذ الاعلام
وزير التربية والتعليم في الولاية الشمالية
بالسودان سابقا
مدير تحرير مجلة التضامن الاسلامي مكة المكرمة